المقريزي

334

رسائل المقريزي

الأمير سيف الدين تنكز نائب الشام على الأمير آنوك ابن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون « 1 » بعد ما أقام - المهم - سبعة أيام بلياليها ، وحضره نساء الأمراء بأجمعهن وجلس السلطان في ليلة السابع على باب القصر من قلعة الجبل ، وتقدم الأمراء على مراتبهم واحدا بعد واحد ، لعرض شموعهم التي يقدمونها ، فكان الأمير منهم يقبل الأرض ، ويتأخر فيقدم شموعه ، حتى انتهوا فكانت زنة شمعهم المحضر في تلك الليلة ثلاثة آلاف قنطار وستين قنطارا ، وفي تلك الشموع ما اعتنى به ، ونقش نقشا بديعا تنوع صناعه في تحسينه ، وبالغوا في التأنق فيه ، ثم جلس السلطان ليلة العرس ، وأشعلت بأسرها بين يديه ، وقد جلس ابنه آنوك تجاهه ، فأقبل الأمراء وكل أمير يحمل بنفسه شمعة ، ومن خلفه مماليكه تحمل بقية شمعه ، ويتقدم واحد بعد واحد - على قدر رتبته - وهو يقبل الأرض ، فما تم مرور آخرهم حتى مضى معظم الليل ، فنهض السلطان وعبر إلى حيث مجتمع النساء ، فقامت نساء الأمراء بأسرهن وقبّلن الأرض واحدة بعد أخرى ، وقدمن ما أتين به من التحف الفاخرة ، والنقوط ، حتى انتهين ، ثم قمن يرقصن عن آخرهن واحدة بعد واحدة ، والمغانى تزفهن ، وأنواع المال من الذهب والفضة ، وشقاق الحرير تلقى على المغنيات فحصل لهن من ذلك ما يجلّ وصفه . ثم جلس السلطان من الغد ، وخلع على جميع الأمراء ، وبعث إلى نسائهم ، كل واحدة بتعبية قماش على مقدار زوجها ، فكان هذا العرس من الأعراس العظيمة ، ذبح فيه من الخيل ، والبقر والغنم ، والأوز والدجاج ما يزيد على عشرين ألف حيوان ، وعمل فيه من السكر برسم الحلوى والمشروب ثمانية عشر ألف قنطار ، وكانت شورة العروس التي حملها أبوها تنكز . وذكر القاضي شهاب الدين أحمد بن القاضي محيي الدين يحيى بن فضل الله العمرى « 2 » في كتاب « مسالك الأبصار في ممالك الأمصار » عند ذكر مدينة « ذلّة » من بلاد الهند ، ما نصه : « وأما العسل فأكثر من الكثير ، وأما الشمع فلا يوجد إلا في دور السلطان ولا يسمح فيه لأحد » والله أعلم .

--> ( 1 ) من سلاطين دولة المماليك . انظر : « السلوك » للمصنف ( 1 / 721 ) . ( 2 ) أحد الأئمة الأعلام ولد سنة 697 ه ، وكان رحمه الله صاحب نظم ونثر ومآثر ، سمع الحديث ، قرأ على الشيوخ ، وكتابه « مسالك الأبصار في ممالك الأمصار » من كتبه التي تدل على مقدار علمه . توفى سنة 746 ه . انظر ترجمته في : « الدرر الكامنة » ( 1 / 331 ) ، « تاريخ ابن الوردي » ( 2 / 354 ) ، النجوم الزاهرة ( 10 / 234 ) ، فوات الوفيات ( 1 / 7 ) .